ابن أبي الحديد

167

شرح نهج البلاغة

كان أمير المؤمنين عليه السلام ، يقول : ما زال الزبير منا أهل البيت ، حتى شب ابنه عبد الله . برز علي عليه السلام بين الصفين حاسرا ، وقال ليبرز إلي الزبير ، فبرز إليه مدججا - فقيل لعائشة : قد برز الزبير إلى علي عليه السلام ، فصاحت : وا زبيراه ! فقيل لها : لا بأس عليه منه ، إنه حاسر والزبير دارع ( 1 ) - فقال له : ما حملك يا أبا عبد الله على ما صنعت ! قال : أطلب بدم عثمان ، قال : أنت وطلحة وليتماه ، وإنما نوبتك من ذلك أن تقيد به نفسك وتسلمها إلى ورثته ، ثم قال : نشدتك الله ! أتذكر يوم مررت بي ورسول الله صلى الله عليه متكئ على يدك ، وهو جاء من بني عمرو بن عوف ، فسلم علي وضحك في وجهي ، فضحكت إليه ، لم أزده على ذلك ، فقلت : لا يترك ابن أبي طالب يا رسول الله زهوه ! فقال لك : " مه إنه ليس بذي زهو ، أما إنك ستقاتله وأنت له ظالم " ! فاسترجع الزبير وقال : لقد كان ذلك ، ولكن الدهر أنسانيه ، ولأنصرفن عنك ، فرجع ، فأعتق عبده سرجس تحللا ( 2 ) من يمين لزمته في القتال ، ثم أتى عائشة ، فقال لها : إني ما وقفت موقفا قط ، ولا شهدت حربا إلا ولي فيه رأي وبصيرة إلا هذه الحرب ، وإني لعلى شك من أمري ، وما أكاد أبصر موضع قدمي . فقالت له : يا أبا عبد الله ، أظنك فرقت سيوف ابن أبي طالب ، إنها والله سيوف حداد ، معدة للجلاد ، تحملها فئة أنجاد ، ولئن فرقتها لقد فرقها الرجال قبلك ! قال : كلا ، ولكنه ما قلت لك . ثم انصرف . * * * وروى فروة بن الحارث التميمي ، قال : كنت فيمن اعتزل عن الحرب بوادي السباع ( 3 ) مع الأحنف بن قيس ، وخرج ابن عم لي يقال له الجون ، مع عسكر البصرة ، فنهيته

--> ( 1 ) الحاسر : من لا درع له ولا جنة ، والدارع : لابس الدرع . ( 2 ) كذا في أ ، ج ، وفي ب : " محللا " . ( 3 ) وادي السباع : موضع بين البصرة ومكة .